مولي محمد صالح المازندراني
376
شرح أصول الكافي
إلى ما سبق له في العلم الأزلي لوجوب المطابقة بين العلم والمعلوم ( 1 ) ( وقل حياؤه ) أريد به ظاهره أو ذهابه بالكلية . ( وكشف الله ستره ) أي رفع ستره الحاجز عن مشاهدة أعماله القبيحة ( 2 ) فيراه المقربون على
--> 1 - قوله « لوجوب المطابقة بين العلم والمعلوم ) سبق تحقيق الكلام في القضاء والطينة والعلم الأزلي بحيث لا يلزم منه الجبر ، ولابُدّ أن يكون مراد الشارح ذلك فإنه ( قدس سره ) لم يكن جبرياً قطعاً ، والجبر خلاف مذهب أئمتنا ( عليهم السلام ) فراجع الجزء الخامس . ( ش ) . 2 - قوله « عن مشاهدة أعماله القبيحة » من المسائل التي تعد في معجزات نبينا العلمية ، ( صلى الله عليه وآله ) والأولياء من خلفائه المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين كلامهم في أحوال النفوس وأدوائها وعلاجاتها ، وكيفية انطواء ملكاتها فيها وخفائها في الدنيا ونحو مشاهدتها ظاهرة في البرزخ والقيامة ، وتلك أمور لم يعهد في أشعار العرب وخطبهم وسائر أقسام كلامهم مثلها ولم ير فيهم من حام حول هذه المسائل ، وقد رأينا في كلامهم ذكر الله تعالى ويوم الحساب والجزاء والعقاب والثواب وأسماء بعض الأنبياء ( عليهم السلام ) . أما الدقائق التي لم يتنبه لها المسلمون إلاّ بعد أجيال ، فكيف الجاهلون ، فاشتمال القرآن والسنة عليها يدل على رباط باطني بين المعصومين ( عليهم السلام ) وبين منبع جميع الحقائق ، وهذا الرابط الخاص المسمى بروح القدس هو الذي كان سبباً لعلمهم ، وقد رأينا في أشعار زهير بن أبي سلمى في معلقته الجاهلية : فلا تكتمن الله ما في صدوركم * ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر * ليوم الحساب أو يعجل فينقم وفي أشعار النابغة وأمية بن أبي الصلت والأعشى ذكر بعض الأنبياء ( عليهم السلام ) . وأما مثل قوله تعالى : ( كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ) وقوله تعالى : ( ونفس وما سوّيها * فألهمها فجورها وتقويها * قد أفلح من زكّيها * وقد خاب من دسّيها ) ومثل قوله تعالى : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم ) ومثل قوله تعالى خطاباً للناس يوم القيامة : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) فيصعب على فهم أهل الجاهلية بل يتعذر عليهم إدراك هذه المعاني ويرون تناقضاً بين هذه الآية وقوله تعالى : ( ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) فنبه على أن البصيرة مبدؤها الذكر ، والعمى مبدؤها النسيان وعدم الاعتناء . فربما ينسى الإنسان شيئاً ويذكر شيئاً في الدنيا كذلك في الآخرة يرى شيئاً ولا يرى شيئاً وهو بالنسبة إلى الأوّل بصره حديد ، وبالنسبة إلى الاخر أعمى ، ولا يجب أن يكون صفة البصر في الآخرة صفته في الدنيا حتى يكون أعمى بالنسبة إلى كل شيء ، أو بصيراً بالنسبة إلى كل شيء . ثم إن الحكماء ذكروا : أن الشعور بالشيء لا يستلزم الشعور بالشعور فربما ينطوي صور عقلية كثيرة في النفس ، وهي موجودة فيها لا محالة ، والإنسان يغفل عن جميعها ، والذي يبين ذلك أمور : الأوّل أن العالم العاقل قد يكون نائماً أو مغشياً عليه أو غافلاً عن علمه أو مشتغلاً بشيء آخر . ولا يمكن أن يكون علومه مسلوبة عنه في هذه الأحوال إذ يتساوى هو والجاهل بتلك العلوم حينئذ ولا يتمايز الأشياء بالأعدام . فلو لم يكن شيء موجوداً في نفس العالم لم يكن فرق بينه حال الغفلة وبين الجاهل وهو مستحيل . الثاني أن الإنسان يرى في منامه مركوزات ذهنه ، ولابُدّ أن تكون موجودة حال اليقظة وهو غافل عنها باشتغال حواسه الظاهرة بالأمور الخارجة عنه فإذا هدأت الحواس بالنوم فرغ النفس لمشاهدة ما هو موجود فيه . ولو لم يكن في ذهنه شيء لتساوي جميع الناس في الرؤيا وليس كذلك . الثالث أن جميع ما في القوة الحافظة موجودة فيها مع الغفلة عنها بل ربما يصعب على الإنسان استرجاعها بحيث لا يوفق له إلاّ بعد أيام مع أنها موجودة عنده البتة وإلا لم ترجع أبداً ، ولكن لا نعلم كيفية وجودها وإن كان أصل وجودها مما لا ريب فيه ، وعلى هذا فيتضح علة كون ملكات النفس في الدنيا خفية على صاحبها ظاهرة في الآخرة وأن التذاذها بوجودها فرع الشعور بشعوره إياها ، ويظهر معنى قوله تعالى : ( فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) . ثم إن الملكات الخبيثة أو الطيبة ربما كانت قوية راسخة بحيث تظهر آثارها على الجوارح كرجل شديد الغضب يعرف غضبه في عينه ووجهه . وربما كانت ضعيفة يستطيع الإنسان أن يخفيها ، وهذا سر قوله ( عليه السلام ) « قل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها » مع ما قبله وما بعده . ( ش ) .